قلب الاسد
11-27-2007, 03:37 PM
بين تراخي القوانين الدولية وأحكام الإسلام العادلة
الاعتداء على النساء في زمن الحرب
د.نهى قاطرجي
جندى أمريكي وإمراة عراقية
ثلاثة أخبار تناقلتها وسائل الإعلام العالمية مؤخراً، تحمل جبالاً من المعاناة النفسية والاجتماعية للمرأة: الخبر الأول يتعلق بالسيدة العراقية "صابرين الجنابي"، ذات العشرين ربيعاً، التي ظهرت على شاشة فضائية الجزيرة، معلنة اغتصابها من قبل ضباط ومغاوير وزارة الداخلية العراقية، متحدية المجتمع العشائري الذي يجعل العرض في مرتبة أعلى من النفس، وكذا المجتمع الدولي الذي يأبى الاعتراف بوجود مثل هذه الجرائم، ويصفها بالفردية..
أما الخبر الثاني فيتعلق بسيدة عراقية تركمانية في الأربعين من عمرها، تدعى "واجدة محمد أمين" ظهرت على وسائل الإعلام، لتشكو اغتصابها من قبل ضابط وأربعة عناصر من الشرطة العراقية، مبينة بذلك أن الاغتصاب في هذا البلد بات جريمة منظمة لا يفرق المغتصِب فيها بين الطفلة الصغيرة والمرأة الكبيرة.
أما الخبر الثالث، فكان إصدار إحدى المحاكم الأمريكية حكماً بالسجن لمدة 100 عام على أحد جنودها؛ لاتهامه باغتصاب فتاة عراقية في الرابعة عشرة من عمرها، وقتلها مع أهلها وإخوتها.هذه الأخبار التي تم تناولها بشكل سياسي بحت، تنقلنا لدراسة جريمة اغتصاب الإناث في أثناء الحروب..
الملف الأسود لجرائم الاغتصاب: لم يخل مجتمع من المجتمعات القديمة والمعاصرة من استخدام الاغتصاب كسلاح من أسلحة المعارك، فاستخدمه الجيشان الألماني والياباني في الحرب العالمية الثانية، كما استخدمه من قبلهم المغول أثناء دخولهم إلى حلب..
وكذلك شهد العالم الحديث حوادث اغتصاب كثيرة وقعت في أثناء الحروب، أشهرها، حوادث الاغتصاب التي جرت في البوسنة ابتداء من عام 1992م.. حيث أشارت التقارير الدولية في عام 1995م إلى أن عدد النسوة اللواتي اغتصبن في البوسنة تجاوز 150 ألفاً.
الأهداف العسكرية : ويعد الاغتصاب أحد الأسلحة القذرة في الحروب، لأهداف عدة منها ما هو سياسي يتعلق بإدارة الحرب، ومنها ما هو فردي يتعلق بالجنود المقاتلين.
هذا الهدف اعتبر من قبل التقرير الوارد عن منظمة العفو الدولية، تعليقاً على ما جرى في البوسنة من حالات اغتصاب، بأنه سلاح حرب أفتك من سلاح القتل، ذلك أن القتل قد ينتج عنه شهداء يثيرون الحماسة في الأحياء.
أما الاغتصاب فإنه لا يذل المرأة بمفردها، بل يذل مجتمعاً بكامله، ويترك جرحاً لا يندمل. وقد يلجأ إليه البعض كوسيلة انتقام، كما يفعل اليهود الصهاينة مع الشعب الفلسطيني، نكاية في منفذي العمليات الاستشهادية.
ومن أهدافه كذلك.. إضعاف معنويات العدو؛ ذلك أن كثيراً من حالات الاغتصاب تحدث بمعرفة القيادات العليا وبتشجيع منها، كما أكد أحد الجنود الهولنديين أثناء حرب البوسنة والهرسك في شهادته لإحدى المحاكم الدولية، بأنه سمع القائد الصربي ميلاديتش وهو يقول لجنوده بعد جمع الفتيات الصغيرات: "خذوهن وتمتعوا بهن"؛ لبث الرعب في صفوف العدو وإضعاف معنويات جنوده، في مقابل دعم الجنود المحاربين ورفع معنوياتهم، وذلك أن انتشار قصة اغتصاب فتاة من العدو ينتج عنه نوع من السرور الداخلي عند الذين يحلمون باغتصاب فتيات.
وكذلك حث الأعداء على الهجرة خوفاً من العار وحفاظاً على الشرف، وهذا ما حصل مع بعض أهالي قرية "تينو بوادابارتي" في كشمير في عام 1994م.. حيث نقل عن أحد أبناء القرية أن العديد من العائلات هربت من القرية؛ بحثاً عن أماكن أكثر أمناً، بعد أن اقتحم الجنود منازلهم للبحث عن فتيات...
انتزاع المعلومات من العدو، وهذا الهدف يتستر وراءه العدو الصهيوني في تحقيقاته مع الفلسطينيين، حيث سجلت مئات الحالات من الاعتداءات الجنسية على المعتقلات الفلسطينيات، بل والمعتقلين.. وكثيراً ما يعمد الصهاينة إلى إحضار أخوات المعتقلين وزوجاتهم والتهديد باغتصابهن أمام أعينهم لانتزاع المعلومات والاعترافات المطلوبة.
إبادة العدو: كما فعل الصرب في حربهم ضد البوسنة، فهم لم يكتفوا بقتل الأطفال والرجال والشيوخ، بل إنهم هدفوا من وراء اغتصاب النساء البوسنيات إلى خلق جيل بوسني جديد يتمتع بالصفات الصربية، وهذا ما أوضحه وزير الإعلام الصربي آنذاك "فيبلور أوستونيش" إذ بيّن أن "الهدف من عمليات الاغتصاب أن تلد المسلمة البوسنوية "تشتنك صغاراً"!
سادية الجنود
ويشجع الفلتان الأمني وعدم الرقابة العسكرية والحقوقية المقاتلين على ارتكاب جرمهم، اعتقاداً منهم بعدم وجود من يحاسبهم على فعلتهم، والأسباب التي تدفعهم إلى ارتكاب فعلتهم عديدة، منها:
إشباع الرغبات الجنسية عند الجنود: وهذا الهدف قد لا يغيب عن بال القيادات العسكرية، لذلك كثيراً ما تشجع على تخصيص بعض النساء لهؤلاء الجنود، عبر تشجيعهم على خطف النساء وإجبارهن على البغاء، وهذا الأمر حدث مع 200 ألف امرأة معظمهن من كوريا والفلبين وإندونيسيا والصين وهولندا ممن اختطفن أو أُجبرن على ارتياد بيوت الدعارة لمتعة القوات اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية.
عراقية تبكي
طبيعة الحياة العسكرية: التي تتطلب ممارسة العنف والقسوة وعدم المبالاة بأحاسيس الآخرين، مما يجعل الجندي يفقد مشاعر الرحمة والرفق.
تفريغ شحنة العنف والعدوان: التي تملأ نفس الجندي عادة فتجعله يفرغها على المرأة ليس رغبة في الاتصال الجنسي فقط، بل لتحقير الضحية وإذلالها.
الإحساس بالدونية: التي يسعى المغتصِب من وراء اغتصابه إلى التخلص منها، وتنمية إحساسه بقيمة نفسه وتقديرها.
القضاء على الوحدة والعزلة التي يشعر بها الجندي نتيجة ابتعاده عن أهله ومحيطها.
الحصاد المر
لا تختلف الآثار الناجمة عن اغتصاب الحروب عنها في خارج الحروب، وإن كانت أشد قسوة وألماً على المغتصبة في الحرب، كونها تترافق عادة مع حالات موت الأهل والأقارب والتهجير والفقر.. فتصاب المغتصبات بصدمة عاطفية ونفسية عميقة تدخلها في حالة طويلة من الهستيريا والسوداوية والكوابيس الليلية.
إضافة إلى فقدان الثقة بالنفس، وفقدان الثقة بالرجال عامة؛ لخوفها من أن تتعرض للأذى مرة أخرى.
ظهور عوارض الاكتئاب، مثل عدم الرغبة في الحياة، وعدم القدرة على التغلب على المشكلات، بجانب الإحساس بالذنب لخوفها من نظرات الناس اللوامة.
وكذلك الإحساس بالنفور من الجنس، بسبب تذكر تفاصيل جريمة الاغتصاب وما عانته من إحساس بالذل والمهانة.
وعلى الصعيد الاجتماعي، تتفاقم المأساة، حيث نظرة اللوم التي يوجهها المجتمع إلى المرأة المغتصبة؛ بل اتهامها بالمشاركة أو التشجيع على الجريمة.. ومرارة الحمل القسري وما ينتج عنه من ولادات غير شرعية، تساهم في تجارة الأطفال، إذ استغلت بعض الجهات، حرب البوسنة، وقامت بشراء المواليد غير الشرعيين من أمهاتهم وتسفيرهم إلى خارج البلاد.
وتتفاقم المأساة بإقدام المغتصبات على إجهاض أنفسهن.. وكذا تزايد حالات الطلاق لعدم تقبل الرجال معايشة زوجته التي تعرضت للاغتصاب في كثير من الأحيان، لذلك عمدت بعض الحكومات إلى إيجاد حلول جذرية لمشكلة الطلاق بعد اغتصاب الحروب. فقد أعلن رئيس وزراء بنجلاديش بعد الحرب التي دارت بين بلاده وباكستان في عام 1971م أن ضحايا الاغتصاب أبطال وطنيون، وكان لهذا الإعلان أثره الفعال في عودة كثير من المغتصبات إلى أزواجهن.
إضافة إلى ذلك تزايد جرائم القتل، انتقاماً من المجرم الذي هدم حياة ضحيته، وكذا قتل الضحية نفسها، هرباً من الإحساس بالذنب الذي تشعر به.
عقوبة جريمة الاغتصاب في الحروب
تطالب المنظمات الدولية بإلزام الدول الأعضاء بالأمم المتحدة بتنفيذ الاتفاقيات التي تدعو إلى حماية النساء أثناء الحروب، ومن بين هذه الاتفاقيات والمواثيق: "اتفاقية جنيف الرابعة" الخاصة بحماية السكان المدنيين في زمن الحرب في المادة 227، وكذلك نص "البروتوكول الأول الإضافي" التابع للاتفاقية الذي نص في مادتيه 75 و76 على وجوب "حماية النساء بشكل خاص من الاعتداء والاغتصاب والبغاء القسري أو أي شكل آخر من التحرش الجنسي". و"إستراتيجيات نيروبي" التي أشارت في الفقرة 261 منها إلى "الآثار الناتجة عن الحروب على النساء والأطفال وما تسببه من مشكلات نفسية واجتماعية على المرأة".
و"اتفاقية السيداو" التي أكدت في التوصية العامة رقم 19 على "الحق في الحماية المتساوية في حالات الصراع الدولية أو الداخلية وبحسب المعايير الإنسانية"، و"خطة عمل بيجين" التي أكدت أن تلافي سياسات التطهير العرقي، وتسوية الصراعات المسلحة تعد عنصراً أساسياً في حماية حقوق الإنسان الخاصة بالنساء والفتيات، فضلاً عن القضاء على جميع أشكال العنف ضدهن واستخدامهن سلاحاً في الحرب.
ورغم سيل القوانين والضمانات القانونية..لاتزال الجرائم ترتكب تحت سمع وبصر العالم.. فيما تشدد منظمات الأمم المتحدة على تطبيق الاتفاقات والقوانين المتعلقة بالعنف ضد المرأة من قبل زوجها...
أما الوقاية القانونية التي يمكن أن تتبعها الدول من أجل تشديد العقوبة على المغتصب، فتكون بتعديل القوانين المحلية حتى تتلاءم مع فداحة الجرم الذي يرتكبه مجرم الاغتصاب، إذ إن اقتصار حكم القانون في جريمة الاغتصاب على السجن، حتى ولو لفترات طويلة، لا يعد عاملاً مساعداً على مكافحة هذه الجريمة، إذ كثيراً ما يخرج المجرم من سجنه ويعود لفعلته من جديد.
معالجة الإسلام لجريمة الاغتصاب: وإزاء التراخي والثغرات في القوانين الدولية، تتبلور رؤية الإسلام واضحة إزاء تلك الجريمة النكراء..
فجمهور الفقهاء يرى توقيع حد الزنا، لأن الاغتصاب بنظرهم ما هو إلا زنا، كل ما في الأمر أن المرأة التي زنى بها الرجل إما أنها لم تكن راضية بفعله، وإما أنها كانت دون سن الرضا.
وهذا وذاك يعتبران مانعين من مسؤوليتهما عما حدث، فلا تعاقب. ويقتصر العقاب على الزاني (المغتصِب) وحده، فإذا كان متزوجاً أعدم رجماً وإذا كان غير متزوج جلد مائة جلدة ونفي.
أما الفريق الثاني فيرى أن تلحق هذه الجريمة بحد الحرابة.
ويتبنى هذا الرأي فقهاء المالكية، مؤكدين أن المحاربة تنطبق على كل من أخذ المال أو غيره، فمن "خرج لإخافة السبيل قصداً للغلبة على الفروج فهو محارب أقبح ممن خرج لإخافة السبيل".
وهذا الموقف اعتمده بعض الفقهاء المعاصرين الذين اعتبروا أن جريمة الاعتداء على النساء جنسياً تقع في نطاق الحرابة الواردة في قوله تعالى: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم(34) (المائدة).
الاعتداء على النساء في زمن الحرب
د.نهى قاطرجي
جندى أمريكي وإمراة عراقية
ثلاثة أخبار تناقلتها وسائل الإعلام العالمية مؤخراً، تحمل جبالاً من المعاناة النفسية والاجتماعية للمرأة: الخبر الأول يتعلق بالسيدة العراقية "صابرين الجنابي"، ذات العشرين ربيعاً، التي ظهرت على شاشة فضائية الجزيرة، معلنة اغتصابها من قبل ضباط ومغاوير وزارة الداخلية العراقية، متحدية المجتمع العشائري الذي يجعل العرض في مرتبة أعلى من النفس، وكذا المجتمع الدولي الذي يأبى الاعتراف بوجود مثل هذه الجرائم، ويصفها بالفردية..
أما الخبر الثاني فيتعلق بسيدة عراقية تركمانية في الأربعين من عمرها، تدعى "واجدة محمد أمين" ظهرت على وسائل الإعلام، لتشكو اغتصابها من قبل ضابط وأربعة عناصر من الشرطة العراقية، مبينة بذلك أن الاغتصاب في هذا البلد بات جريمة منظمة لا يفرق المغتصِب فيها بين الطفلة الصغيرة والمرأة الكبيرة.
أما الخبر الثالث، فكان إصدار إحدى المحاكم الأمريكية حكماً بالسجن لمدة 100 عام على أحد جنودها؛ لاتهامه باغتصاب فتاة عراقية في الرابعة عشرة من عمرها، وقتلها مع أهلها وإخوتها.هذه الأخبار التي تم تناولها بشكل سياسي بحت، تنقلنا لدراسة جريمة اغتصاب الإناث في أثناء الحروب..
الملف الأسود لجرائم الاغتصاب: لم يخل مجتمع من المجتمعات القديمة والمعاصرة من استخدام الاغتصاب كسلاح من أسلحة المعارك، فاستخدمه الجيشان الألماني والياباني في الحرب العالمية الثانية، كما استخدمه من قبلهم المغول أثناء دخولهم إلى حلب..
وكذلك شهد العالم الحديث حوادث اغتصاب كثيرة وقعت في أثناء الحروب، أشهرها، حوادث الاغتصاب التي جرت في البوسنة ابتداء من عام 1992م.. حيث أشارت التقارير الدولية في عام 1995م إلى أن عدد النسوة اللواتي اغتصبن في البوسنة تجاوز 150 ألفاً.
الأهداف العسكرية : ويعد الاغتصاب أحد الأسلحة القذرة في الحروب، لأهداف عدة منها ما هو سياسي يتعلق بإدارة الحرب، ومنها ما هو فردي يتعلق بالجنود المقاتلين.
هذا الهدف اعتبر من قبل التقرير الوارد عن منظمة العفو الدولية، تعليقاً على ما جرى في البوسنة من حالات اغتصاب، بأنه سلاح حرب أفتك من سلاح القتل، ذلك أن القتل قد ينتج عنه شهداء يثيرون الحماسة في الأحياء.
أما الاغتصاب فإنه لا يذل المرأة بمفردها، بل يذل مجتمعاً بكامله، ويترك جرحاً لا يندمل. وقد يلجأ إليه البعض كوسيلة انتقام، كما يفعل اليهود الصهاينة مع الشعب الفلسطيني، نكاية في منفذي العمليات الاستشهادية.
ومن أهدافه كذلك.. إضعاف معنويات العدو؛ ذلك أن كثيراً من حالات الاغتصاب تحدث بمعرفة القيادات العليا وبتشجيع منها، كما أكد أحد الجنود الهولنديين أثناء حرب البوسنة والهرسك في شهادته لإحدى المحاكم الدولية، بأنه سمع القائد الصربي ميلاديتش وهو يقول لجنوده بعد جمع الفتيات الصغيرات: "خذوهن وتمتعوا بهن"؛ لبث الرعب في صفوف العدو وإضعاف معنويات جنوده، في مقابل دعم الجنود المحاربين ورفع معنوياتهم، وذلك أن انتشار قصة اغتصاب فتاة من العدو ينتج عنه نوع من السرور الداخلي عند الذين يحلمون باغتصاب فتيات.
وكذلك حث الأعداء على الهجرة خوفاً من العار وحفاظاً على الشرف، وهذا ما حصل مع بعض أهالي قرية "تينو بوادابارتي" في كشمير في عام 1994م.. حيث نقل عن أحد أبناء القرية أن العديد من العائلات هربت من القرية؛ بحثاً عن أماكن أكثر أمناً، بعد أن اقتحم الجنود منازلهم للبحث عن فتيات...
انتزاع المعلومات من العدو، وهذا الهدف يتستر وراءه العدو الصهيوني في تحقيقاته مع الفلسطينيين، حيث سجلت مئات الحالات من الاعتداءات الجنسية على المعتقلات الفلسطينيات، بل والمعتقلين.. وكثيراً ما يعمد الصهاينة إلى إحضار أخوات المعتقلين وزوجاتهم والتهديد باغتصابهن أمام أعينهم لانتزاع المعلومات والاعترافات المطلوبة.
إبادة العدو: كما فعل الصرب في حربهم ضد البوسنة، فهم لم يكتفوا بقتل الأطفال والرجال والشيوخ، بل إنهم هدفوا من وراء اغتصاب النساء البوسنيات إلى خلق جيل بوسني جديد يتمتع بالصفات الصربية، وهذا ما أوضحه وزير الإعلام الصربي آنذاك "فيبلور أوستونيش" إذ بيّن أن "الهدف من عمليات الاغتصاب أن تلد المسلمة البوسنوية "تشتنك صغاراً"!
سادية الجنود
ويشجع الفلتان الأمني وعدم الرقابة العسكرية والحقوقية المقاتلين على ارتكاب جرمهم، اعتقاداً منهم بعدم وجود من يحاسبهم على فعلتهم، والأسباب التي تدفعهم إلى ارتكاب فعلتهم عديدة، منها:
إشباع الرغبات الجنسية عند الجنود: وهذا الهدف قد لا يغيب عن بال القيادات العسكرية، لذلك كثيراً ما تشجع على تخصيص بعض النساء لهؤلاء الجنود، عبر تشجيعهم على خطف النساء وإجبارهن على البغاء، وهذا الأمر حدث مع 200 ألف امرأة معظمهن من كوريا والفلبين وإندونيسيا والصين وهولندا ممن اختطفن أو أُجبرن على ارتياد بيوت الدعارة لمتعة القوات اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية.
عراقية تبكي
طبيعة الحياة العسكرية: التي تتطلب ممارسة العنف والقسوة وعدم المبالاة بأحاسيس الآخرين، مما يجعل الجندي يفقد مشاعر الرحمة والرفق.
تفريغ شحنة العنف والعدوان: التي تملأ نفس الجندي عادة فتجعله يفرغها على المرأة ليس رغبة في الاتصال الجنسي فقط، بل لتحقير الضحية وإذلالها.
الإحساس بالدونية: التي يسعى المغتصِب من وراء اغتصابه إلى التخلص منها، وتنمية إحساسه بقيمة نفسه وتقديرها.
القضاء على الوحدة والعزلة التي يشعر بها الجندي نتيجة ابتعاده عن أهله ومحيطها.
الحصاد المر
لا تختلف الآثار الناجمة عن اغتصاب الحروب عنها في خارج الحروب، وإن كانت أشد قسوة وألماً على المغتصبة في الحرب، كونها تترافق عادة مع حالات موت الأهل والأقارب والتهجير والفقر.. فتصاب المغتصبات بصدمة عاطفية ونفسية عميقة تدخلها في حالة طويلة من الهستيريا والسوداوية والكوابيس الليلية.
إضافة إلى فقدان الثقة بالنفس، وفقدان الثقة بالرجال عامة؛ لخوفها من أن تتعرض للأذى مرة أخرى.
ظهور عوارض الاكتئاب، مثل عدم الرغبة في الحياة، وعدم القدرة على التغلب على المشكلات، بجانب الإحساس بالذنب لخوفها من نظرات الناس اللوامة.
وكذلك الإحساس بالنفور من الجنس، بسبب تذكر تفاصيل جريمة الاغتصاب وما عانته من إحساس بالذل والمهانة.
وعلى الصعيد الاجتماعي، تتفاقم المأساة، حيث نظرة اللوم التي يوجهها المجتمع إلى المرأة المغتصبة؛ بل اتهامها بالمشاركة أو التشجيع على الجريمة.. ومرارة الحمل القسري وما ينتج عنه من ولادات غير شرعية، تساهم في تجارة الأطفال، إذ استغلت بعض الجهات، حرب البوسنة، وقامت بشراء المواليد غير الشرعيين من أمهاتهم وتسفيرهم إلى خارج البلاد.
وتتفاقم المأساة بإقدام المغتصبات على إجهاض أنفسهن.. وكذا تزايد حالات الطلاق لعدم تقبل الرجال معايشة زوجته التي تعرضت للاغتصاب في كثير من الأحيان، لذلك عمدت بعض الحكومات إلى إيجاد حلول جذرية لمشكلة الطلاق بعد اغتصاب الحروب. فقد أعلن رئيس وزراء بنجلاديش بعد الحرب التي دارت بين بلاده وباكستان في عام 1971م أن ضحايا الاغتصاب أبطال وطنيون، وكان لهذا الإعلان أثره الفعال في عودة كثير من المغتصبات إلى أزواجهن.
إضافة إلى ذلك تزايد جرائم القتل، انتقاماً من المجرم الذي هدم حياة ضحيته، وكذا قتل الضحية نفسها، هرباً من الإحساس بالذنب الذي تشعر به.
عقوبة جريمة الاغتصاب في الحروب
تطالب المنظمات الدولية بإلزام الدول الأعضاء بالأمم المتحدة بتنفيذ الاتفاقيات التي تدعو إلى حماية النساء أثناء الحروب، ومن بين هذه الاتفاقيات والمواثيق: "اتفاقية جنيف الرابعة" الخاصة بحماية السكان المدنيين في زمن الحرب في المادة 227، وكذلك نص "البروتوكول الأول الإضافي" التابع للاتفاقية الذي نص في مادتيه 75 و76 على وجوب "حماية النساء بشكل خاص من الاعتداء والاغتصاب والبغاء القسري أو أي شكل آخر من التحرش الجنسي". و"إستراتيجيات نيروبي" التي أشارت في الفقرة 261 منها إلى "الآثار الناتجة عن الحروب على النساء والأطفال وما تسببه من مشكلات نفسية واجتماعية على المرأة".
و"اتفاقية السيداو" التي أكدت في التوصية العامة رقم 19 على "الحق في الحماية المتساوية في حالات الصراع الدولية أو الداخلية وبحسب المعايير الإنسانية"، و"خطة عمل بيجين" التي أكدت أن تلافي سياسات التطهير العرقي، وتسوية الصراعات المسلحة تعد عنصراً أساسياً في حماية حقوق الإنسان الخاصة بالنساء والفتيات، فضلاً عن القضاء على جميع أشكال العنف ضدهن واستخدامهن سلاحاً في الحرب.
ورغم سيل القوانين والضمانات القانونية..لاتزال الجرائم ترتكب تحت سمع وبصر العالم.. فيما تشدد منظمات الأمم المتحدة على تطبيق الاتفاقات والقوانين المتعلقة بالعنف ضد المرأة من قبل زوجها...
أما الوقاية القانونية التي يمكن أن تتبعها الدول من أجل تشديد العقوبة على المغتصب، فتكون بتعديل القوانين المحلية حتى تتلاءم مع فداحة الجرم الذي يرتكبه مجرم الاغتصاب، إذ إن اقتصار حكم القانون في جريمة الاغتصاب على السجن، حتى ولو لفترات طويلة، لا يعد عاملاً مساعداً على مكافحة هذه الجريمة، إذ كثيراً ما يخرج المجرم من سجنه ويعود لفعلته من جديد.
معالجة الإسلام لجريمة الاغتصاب: وإزاء التراخي والثغرات في القوانين الدولية، تتبلور رؤية الإسلام واضحة إزاء تلك الجريمة النكراء..
فجمهور الفقهاء يرى توقيع حد الزنا، لأن الاغتصاب بنظرهم ما هو إلا زنا، كل ما في الأمر أن المرأة التي زنى بها الرجل إما أنها لم تكن راضية بفعله، وإما أنها كانت دون سن الرضا.
وهذا وذاك يعتبران مانعين من مسؤوليتهما عما حدث، فلا تعاقب. ويقتصر العقاب على الزاني (المغتصِب) وحده، فإذا كان متزوجاً أعدم رجماً وإذا كان غير متزوج جلد مائة جلدة ونفي.
أما الفريق الثاني فيرى أن تلحق هذه الجريمة بحد الحرابة.
ويتبنى هذا الرأي فقهاء المالكية، مؤكدين أن المحاربة تنطبق على كل من أخذ المال أو غيره، فمن "خرج لإخافة السبيل قصداً للغلبة على الفروج فهو محارب أقبح ممن خرج لإخافة السبيل".
وهذا الموقف اعتمده بعض الفقهاء المعاصرين الذين اعتبروا أن جريمة الاعتداء على النساء جنسياً تقع في نطاق الحرابة الواردة في قوله تعالى: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم(34) (المائدة).